Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الجمعة, 28 حزيران/يونيو 2019 10:39

من خزانة الذاكرة النساء والكراسي

كتبه 

 

بقلم حسن بارود

 

تردّدت كثيرا في كتابة هذا المقال الذي ربّما تعود أحداثه إلى منتصف ثمانيات القرن الماضي تقريبا، إلّا أنّ اللّغط الدّائر حاليا حول قضّية المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلاميّة بصفة خاصّة، والعلاقة بينها وبين الرّجل بصفة عامّة، حفّزني على سرد واقعة جرت في العاصمة النّمساوية فيينّا، وبالتّحديد في النّادي المصري الذي يقع في منطقة من أجمل وأعرق مناطق مدينتي المحبوبة.

ذات مساء، وربّما كان ذلك في نهاية الخريف أو بداية الشّتاء، كان روّاد النادي على موعد مع استقبال ضيف ليس كغيره من الضّيوف. ضيف جابت سمعته وشهرته الآفاق، إذا تحدّث أنصت مستمعوه بشغف ونشوة تمتّد طوال حديث الرّجل الذي يتمنّى الحاضرون ألّا ينتهي. نعم كان ضيف ذاك المساء فضيلة الشّيخ محمّد متولّي الشّعراوي رحمه الله، وهو من هو!

كان الرّجل قد قدم إلى فيينّا للبحث عن علاج لمرض الرّبو المزمن الذي لازمه عقودا طويلة من حياته. ولأنّ الجّو كان باردا، تخلّى الشيخ عن زيّه التقليدي وارتدى "بدلة" و"بلوفر" فبدا مظهره للوهلة الأولى غريباً لروّاد القاعة المكتظّة، لكنّهم ما لبثوا أن تفهّموا ظروف ودوافع الضّيف واستوعبوا هذا المظهر النّادر لفضيلة الشّيخ الذي ظلّ لسنوات طويلة يطلّ عليهم عبر شاشات التّلفاز في مصر وغيرها من الدّول بطلعته التّقليديّة لرجل الدّين الإسلامي.

رحّب سفير مصر لدى النّمسا آنذاك، وإن لم تخنّي الذّاكرة كان السّفير طاهر شاش، بالضّيف الكبير وأخبر الحاضرين بأنّ فضيلته يحبّذ تلقّي أسئلة مكتوبة من الحاضرين، سيتلوها السّفير    على العالم الكبير للإجابة عليها، وقد كان.

أجاب الشيخ على بعض الأسئلة التي تراوحت بين الحلال والحرام فيما يخص رواتب المسلمين العاملين في مطاعم تقدّم فيها الخمور ولحم الخنزير، أو الزّواج من أجنبيّات غير مسلمات، ولم يرد سؤال واحد عن مشروعيّة حصول العاطلين والفقراء المسلمين على الإعانات الاجتماعية التي تقدّمها الدّولة النّمساوية لذوي الدّخول المتدنّية - بغضّ النّظر عن ديانتهم - من حصيلة الضّرائب التي تدفعها المطاعم ومنتجو وتّجار الخمور ومربّو الخنازير، بل وبيوت الدّعارة!

لم يمض وقت طويل حتى تلى السّفير سؤالا عن موقف الإسلام من تعدّد الزّوجات، فإذا بفضيلة الشّيخ يستفسر للمرّة الأولى عن السّائل، فنهضتّ من مقعدي، فبادر السّفير بتقديمي للشّيخ – وكنّا قد تعارفنا عن قرب، إذ ترجمت له أكثر من مرّة كانت أبرزها أمسية مصريّة في أحد فنادق فيينّا المتميزة حضرها المستشار النمساوي الرّاحل "فريد سينوفاتس" كضيف شّرف - ففاجأني فضيلة الشّيخ بدعوتي إليه والجلوس إلى جواره، لكنّه ما لبث أن تراجع عن دعوته بحجّة أنّ الحاضرين قد يظنّون رغبةً منه في تفضيلي عليهم، فلم أبرح مكاني، وبدأ فضيلته الردّ على سؤالي فقال:

" حسناً، فليتخيّل اثنان أو ثلاثة منكم أنفسهم عند دخولهم هذه القاعة الجميلة أن وجدوا فيها لكل منهم كرسيّا، فما عساهم فاعلين؟، فرد الحاضرون – وكان هذا دأب فضيلته في مخاطبة مستمعيه، حيث يطرح سؤالا يعرف أنّهم سيجيبون عليه بنفس ما يريد أن يقول-: "سيجلس كل منهم على كرسيّه"!، فأردف فضيلته: "وماذا سيفعلون إن وجدوا في القاعة عددا من الكراسي يزيد عن عددهم؟ ثم أتبع دون انتظار إجابة من مريديه:" قد يفكّر أحدهم أو كلّهم في استخدام أكثر من  كرسيّ، فهذا يستند على الكرسي الثّاني، وذاك يضع حقيبته على آخر، أليس كذلك؟ وهكذا الحال بالنّسبة للنّساء؛ إذا فاقت أعدادهنّ أعداد الرجال في المجتمع، يكون من الطّبيعي أن يقترن الرّجل بأكثر من امرأة، فاستحسن الحاضرون منطق الشّيخ في تبرير تعدّد الزّوجات، إلّا أنّ إجابة فضيلته استفزّتني، فانتفضتّ من مقعدي واستأذنت في التّعليق، فرحّب الرّجل برغبتي!

في البداية أكّدت اقتناعي بالمقام العلمي الرفيع لفضيلته، وأشرت إلى أنني كالقزم يقف أمام عملاق، إلّا أّن تشبيه فضيلته للنساء بالكراسي أدهشني، وتلوت على الحاضرين الآية الأولى من سورة النساء التي يقول فيها الله تعالى:" يأيّها الناسُ اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إنّ الله كان عليكم رقيباً." وأضفت:" أن الله تعالى خلق الرجل والمرأة من نفس واحدة، فهل الرجال والنساء مجرد كراسي تتزاوج؟، أم أنّ الرجال بشر، والنساء كراسي يستخدمها الرجال؟!!"

طلب منّي الرجل أن أكمل حديثي، إن كان لديّ ما أضيفه، فواصلت مداخلتي، ولا أدري حتى الآن، كيف انطلق لساني في التعبير عن أفكاري دون رهبة أو تردّد، مع إدراكي لما قد يحدث من الحاضرين إن أبدى الشيخ مجرد امتعاض أو ضجر من استهجاني لإجابته على سؤالي، فقد ينتفض بعض الحاضرين بالصراخ ويطلبون مني على الأقل الصمت، إن لم يتمادوا في ردّ فعلهم بطردي من القاعة!

قلت: "إنّ فهمي المتواضع للآيات التي تلت تلك الآية يشير إلى حساسية أوضاع اليتامى والنساء المترمّلات في المجتمع، وضرورة وأهمّية الحفاظ على حقوقهم المادية من ناحية، والحقوق النفسية والمعنوية من ناحية أخرى، وأنّ اليتيم كما هو معروف من فقد أباه الذي يربّي ويرعى ويحمي مصالح أبنائه في حياته، ومن ثمّ فاليتيم في حاجة إلى من يرعى شؤونه ويدير أمواله أو ممتلكاته – إن وجدت-، وكذلك رعايته النفسية والمعنوية بالتربية والتنشئة الصحيحة، وأنّ الله تعالى يحرّم ويجرّم ظلم اليتامى من جانب الأوصياء عليهم، ويوجّه للرّجال دعوة مشروطة إلى الاقتران بأمّهات اليتامى بغرض تعويضهم عن آبائهم من ناحية، ويتيح للمرأة المترمّلة حياة زوجية وأسرية في كنف زوج يخشى الله في أبنائها اليتامى وفيها كأنثى! ولأدلّل على رأيي تلوت على الحاضرين قوله تعالي في الآيتين الثانية والثالثة من نفس السورة:" وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، إنّه كان حوباً كبيراً (2). وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاّ تعدلوا، فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألاّ تعولوا (3)."

وأوضحت أنّ وجود جملتي شرط في الآية الثّالثة واقتران جوابيهما بالفاء التي تفيد التّرتيب والتّعقيب، يحصر أسباب ربط تعدّد الزّوجات أولاً بالرّغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية  من خلال الرعاية الأبوية للأطفال اليتامى من ناحية، والعدل بين أمّهاتهم والزّوجات الأخريات من ناحية أخرى، وهو الشّرط الّذي في حالة انتفاء أو تعذّر إمكانية تحقيقه لارتباطه بمشاعر وعواطف وربّما بنزوات بشريّة، ينصح الله تعالى بعدم الإقدام على هذه الخطوة والاكتفاء بزوجة واحدة، لإنّ الحياة الأسرّية المبتغاة لن تتحقّق في غياب العدل بين اليتامى وأبناء زوج الأمّ، أو العدل بين الزوجات القدامى منهنّ والجدد على حدّ سواء!!! 

استوقفني الشّيخ ليردّ على مداخلتي، وشكر لي إثارة هذه القضية، فقال:" إنّ الله تعالى يحذّر الأوصياء من الرّجال من استحلال أموال اليتامى من النساء، ويصف من يجور على أموال اليتامى بمن يأكل ناراً، ويؤكّد أن هذا العمل إثم كبير؛ لذلك يحثّ الله الأوصياء عليهنّ على الزواج منهن، وطبعا برضائهّن، والأمر متروك لتقدير الرّجل لمدى استطاعته وقدرته على العدل بين النّساء!

ظللت واقفا أثناء تعقيب الشّيخ على مداخلتي، فطلبت إضافة توضيح يتّصل بالوصاية على اليتامى في الفقه الإسلامي، فذكرت أن الوصاية لا تجوز إلاّ لمحرم؛ وفي هذه الحالة لا يصحّ ولا يجوز أن تؤول الوصاية على اليتامى لغير المحارم، حتّى لو كان ابن العمّة أو العمّ، وابن الخال أو الخالة و، وبالتّالي فلا أرى وجودا لغرباء كأوصياء على اليتامى من الذّكور أو الإناث، يخشى من إساءة إدارتهم لشؤون أموال اليتامى حتّى ينصح بزواجهم من الفتيات اليتيمات، كما أنّ قانون الأحوال الشّخصية المصري المستمدّ من الشريعة الإسلامية يمنح حقّ أولوية الوصاية على اليتامى لأمّ الأب المتوفىّ، أو أمّ الأمّ المتوفاة، ثمّ الجد أو الجدة،  ثم تأتي بعد ذلك الخالات والأخوال والأعمام والعمّات، وكلّ أولئك من المحارم الّذين لا يتزوّجون فتيات يتيمات؛ لذلك أرى أنّ تعدّد الزّواج بأكثر من واحدة مقصور على المترمّلات العائلات ليتامى، وأنّ هذا الأمر يعدُّ تحفيزا على التّضامن والتّكافل الاجتماعيّ والإنسانيّ مع المترمّلات وأطفالهنّ، وذلك في حالة المقدرة لدى الرّجال، وأوّل شروط المقدرة هو العدل بين النّساء، وبالطّبع موافقة الزّوجة الأولى أو الثّانية وهكذا، وقبول مشاركة زوجة جديدة أو أكثر في حياة الأسرة؛ وإذا لم يتحقّق العدل بين الّنساء – الزّوجات- فالأفضل – للجميع- ألّا يقدم الرّجل على هذه الخطوة، أخذًا في الاعتبار قول الله تعالى في الآية " 129" من سورة النساء:" ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم"! وكذلك قوله تعالى في الآية الرابعة من سورة الأحزاب:" وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه".  

انتهيت من تعقيبي الأخير وغمرني إحساس بالارتياح لأنّني أدلوت بكلّ ما كان يراودني من أفكار طوال سنوات طويلة من التأمّل والتفكير في هذه المسألة، فخيّم الصمت على الجلسة، وبدا الشيخ لوهلة وكأنّه يفكّر فيما ذكرت، ثمّ فاجأني والحاضرين بقوله:" أحسنت يا بُنيّ وفتح الله عليك!؛ والله أنا لم أنظر إلى هذا الأمر من هذه الزّاوية، وجُلٌّ المفسرين تقريباً أجمعوا على أنّ الوصيّ على الفتاة اليتيمة هو المقصود في هذه الآية الكريمة"!

تهلّلت أسارير السّفير، الّذي على ما يبدو لم يخب ظنّه في العبد الفقير إلى الله، وبدت علامات الارتياح على معظم الحاضرين، ثم أعلن السفير انتهاء جلسة الحوار ودعا الحاضرين إلى الانتقال إلى قاعة الطّعام لتناول وجبة العشاء على شرف فضيلة الشيخ، فأصرّ الشيخ على جلوسي على يساره، وقد كان. 

                                          حسن بارود

 

                                       فيينّا في 26 يونيو 2019

آخر تعديل على الجمعة, 28 حزيران/يونيو 2019 10:41

وسائط

المزيد من الاخبار

قراءة نقدية في نص ( كي أحلّق بعيدًا ) للكاتبة : هدى حجاجي احمد

قراءة نقدية في نص ( كي أحلّق بعيدًا ) للكاتبة : هدى حجاجي احمد

بقلم : الشاعر والناقد \ حميد العنبر الخويلدي _ العراق
قراءة نقدية ..للكاتب والشاعر أ. مصطفي عز الدين _في نص (حين يأتي المساء )

قراءة نقدية ..للكاتب والشاعر أ. مصطفي عز الدين _في نص (حين يأتي المساء )

قراءة نقدية ..للكاتب والشاعر أ. مصطفي عز الدين _في نص (حين يأتي المساء ) للكاتبة : هدي حجاجي أحمد

الثلاثاء, ۱۰ كانون۱/ديسمبر ۲۰۱۹
الثلاثاء, ۱۲ ربيع الثاني ۱۴۴۱