Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الخميس, 22 آب/أغسطس 2019 14:52

الشعر بين ( نفثتين )

كتبه 

 

قراءة في قصيدتيّ العقاد و محمد ناجي ( 1 )

                      عمرو الزيات

 

الشعراء – كما يقول أستاذنا العقاد – هم طلاب الكمال والمثل العليا في كل زمان ومكان؛ فقد منحهم الله من صفاء الشعور ما لم يمنحه غيرهم من البشر ، يجيدون التعبير عن مكنونات النفوس، ويجد المتلقي في شعرهم واحة لأفراحه وأتراحه بجانب المتعة الروحية والجمالية، ويظل الشعر – وحده – ملاذا وحصنا منيعا يلوذ به الشاعر فارّا من هجير الحياة إليه ؛ فليس له غيره، يكتفى به عما سواه.

( نَفثة ) عنوان لقصيدتين إحداهما للعقاد والأخرى للشاعر محمد ناجي، لم يجد كلا الشاعرين ما يعبر عن  موضوع قصيدته أدق من هذا العنوان المقتضب بيانا لما يشعر به من مرارة الألم؛ إن استخدام هذا العنوان تحديدا يدل على براعة الشاعرين، وهنا تجدر الإشارة إلى تفوّق السابق ( العقاد ) على المتأخر ( محمد ناجي ) وإن اختيار ناجي لهذا العنوان لدليل على إدراكه القيمة الدلالية والإيحائية لتلك اللفظة.

نَفثة على صيغة فَعلة اسم مرة من نَفث، ومن معانيها : نفثة عليل أي شكواه، ومنها: نفثة شاعر أي: قوله الشعر، ومن معانيها أيضا: نفثات الأقلام أي: الإنتاج الأدبي، ومنها: نفثة مصدور أي: ما يخفّف به عن صدره ويروّح به عن نفسه .... 

لم يكن الشاعران غافلين عن تلك المعاني الكثيرة التي تجملها تلك اللفظة؛ فكلاهما أراد التخفيف عن صدره، وينفث ما بداخله من مشاعر، قد يظن المتلقي - عند قراءة العنوان - أن شاعرنا محمد ناجي يعارض العقاد، أو أنه كان ناظرا للعملاق  في نفثته؛ لكن بعد قراءة القصيدتين يوقن المتلقي أنه كان واهما؛ إذا ليس ثمة معارضة ولا تأثر، وأنه لا صلة بينهما غير تلك اللفظة المقتضبة التي تعبّر عن كل شاعر كما أسلفنا .

تتجلى براعة الشاعرين منذ المطلع، وسنبدأ دوما مع العقاد ليس لأنه أستاذنا الأول – ولا يعنينا مبدع النص بقدر ما يشغلنا النص ذاته -  لكن لأن له السبق في اختيار العنوان، ولن نغفل فترة من الزمن تجاوزت قرنا بين الرجلين يقول العقاد في مطلع قصيدته:      

ظمآن ظمآن لا صوب الغمام ولا 

عذب المدام ولا الأنداء تروينـي

إن البدء بـالخبر الذي حُذف مبتدأه ( أنا ) فيه إشارة إلى حاجة الشاعر للارتواء؛ لكنه ارتواء روحي على كل حال ويعنى به راحة نفسه وتلك نفثة عقادية؛ فاستخدام صيغة ( فَعلان ) – وهي صيغة أثيرة لدي الديوانيين جميعا – توحي بحالة عارضة وليست دائمة قد تزول بعد وقت طال أو قصر، إن العقاد يشكو من الغربة والوحدة والحيرة، وهي شكوى القنوط والتشاؤم، وتلك سمة غالبة في معظم شعره وفي حياته عموما؛ فلا شيء يرويه، ونفثة العقاد خاصة لا تعميم فيها.

أما محمد ناجي في نفثته التي مطلعها:

آهِ لو كانَ بقلبي غِلظةٌ تَجْبُرُ عَيْبَهْ

فإن الفرق جلي بين المطلعين؛ فقد بدأ ناجي قصيدة باسم الفعل ( آه ) وما يوحي به من معنى الألم السرمدي؛ فهو متجدد لا ينقطع، وليس بعارض مخالفا بذلك العقاد؛ لكن لماذا نفث محمد ناجي نفثته تلك؟!

يتمنّى  شاعرنا محمد ناجي أن يكون بقلبه غلظة ( تَجْبُرُ عَيْبَهْ )، إنها أمنية مستحيلة الحدوث لدى شاعرنا؛ فبذكائه الشديد المعهود، وبأسلوب السخرية والتحدي الذي اتبعه في قصيدته يحسن محمد ناجي توظيف حرف الشرط ( لو ) دون غيره من حروف الشرط لدلالته على امتناع وقوع جواب الشرط لامتناع وقوع شرطه، الأمر الذي يجعل تحقق أمنيته أمرا مستحيلا؛ فالقلوب النقية لا تتغيّر وإن تغيّرت طبائع البشر من حولها، وشاعرنا لا يستطيع التلوّن مسايرة لذلك الواقع؛ لذلك كان اختياره للحرف ( لو ) آية من آيات العبقرية والتمكّن من فنه.

جاءت نفثة العقاد على بحر البسيط، ولعل العقاد اختاره تحديدا لتتابع الحركات به إذ تنبسط  نغماته، وكأن نغمته نفثات متوالية تستوعب ما في نفس العقاد من مرارة وأسى، كما أن اختياره لقافية النون المكسورة دليل على انكسار نفسه وإحساسه بحدة الألم .

ومن العجيب حقا استخدام محمد ناجي في نفثته بحر الرّمل ذلك البحر الموسيقي الطروب الذي نُظمت عليه الموشحات والقصائد المغناة، وفي رأينا أن ذلك من آيات عبقرية محمد ناجي الذي هضم عروض الخليل، ووعى فن توظيفه؛ فصاحبنا الناجي يتحدى الألم تحديا صريحا، يرقص على موسيقى الرّمل ويطأ جراحاته هازئا ساخرا من كل ما يواجهه  من أتراح وآلام، إنه سلاح السخرية والقدح في أذواق المتشائمين، وهذا مضمون مطلع نصه؛ إن ناجي  ليؤكد – رغم أمنيته – أن رقة قلبه ليست عيبا؛ بل هي أعظم ما يميّزه، أثبت ذلك بسلاح السخرية والتحدي للألم؛ فليس محمد ناجي ذلك المتشائم القانط كما هو الحال لدى العقاد؛ فثمة فرق كبير بين الرجلين، كما أن فرقا كبيرا بين النفثتين؛ فنفثة العقاد شكوى اليأس والتشاؤم والرغبة في البعد عن الحياة والبشر، أما نفثة محمد ناجي شكوى المتحدي الساخر من الألم الراقص رغم كل الجراحات وقسوة التجارب وظلم البشر.

وسيرى القارئ الكريم – في مقالات تالية – كيف بذّ شاعرنا محمد ناجي العملاق في نفثته؟! حيث جاءت نفثة ناجي بحثا عن عالم الكمال والمثل العليا؛ في حين ظل العقاد – في نفسه – أسير حيرته ويأسه، وسترى أن مقولة: ( لم يترك القدماء لنا شيئا ) مقولة لا يقوم عليها دليل؛ بل إن الأدلة كثيرة على براعة اللاحقين، وشاعرنا محمد ناجي خير برهان على ما نذهب إليه.

وسائط

المزيد في هذه الفئة : « جوايا حنين الرسام »
السبت, ۲۱ أيلول/سبتمبر ۲۰۱۹
السبت, ۲۱ محرّم ۱۴۴۱